" معاداة الكُتاب ليست من أفعال ذوي الألباب وإن مماراتهم ندامة ومسالمتهم سلامة، وما ضنك بقوم يملكون أزمنة المنى والمنايا بحسن كلامهم، ويريقون دماء الأعداء بأسنة أقلامهم وقديما أغنت كتبهم عن الكتائب ففي سواد مدادهم بياض النغم وحمرة الدم" ( عبد الملك بن محمد الثعالبي، نثر النظم وحل العقد).
كم تمنينا أن نهدي أنفسنا والمجتمع فعاليات ثقافية تكون رئة نتنفس بها في هذه الضوضاء التي تحيط بنا من الجهات الأربعة!!!، كم تمنينا أن يكون الترفيه من أجل قضاء الوقت الفراغ واستجابة لرغبات الناس المحشورين بين جدران بيوتهم.
نعم كانت الأماني والطموحات تتطلع إلى أن تكون المهرجانات، مهرجانات تأسيس وبناء ، تحافظ على المكتسبات وتصقلها وتحافظ على شخصية الأفراد وتحصنها من الانجراف مع التيار السيئ للعولمة، وكان يتملكنا الظن بأن القائمين على المناشط الثقافية أو من يملكون القرار في إدارة المهرجانات، هم ناس ينظرون ببصيرة نحو المنتظر،ويهيئون الحاضر لأجل الجيل الناشئ اللاحق بالمستقبل، ولكن الخيبات التي نحصدها في كل المرات التي تخاطب فيها الجمعية العُمانية للكتاب والأدباء إدارة مهرجان صلالة السياحي، جعلتنا نقتنع بعكس ذلك، وكأن هذا المهرجان حالة مستثناة في خارطة المهرجانات السياحية في السلطنة، وهو استثناء بالفعل من حيث خواء المضمون وشح النتائج الايجابية المنعكسة على واقع المجتمع هناك، علاوة على تهميش دور المثقف العُماني عن المشاركة في تنشيط البرامج الثقافية في المهرجان، وكذلك تقليل الأنشطة ذات البعد التكويني التي تترك آثارها الإيجابية في النفوس، ولا يمكن تفسير ذلك إلا لعدم الفهم بأن الثقافة هي ميزة المجتمع الإنساني عن مجتمع إنساني آخر، نعم نقول أن مهرجان صلالة السياحي لا يُذكر مقارنة بمهرجان مسقط من حيث الفعاليات الثقافية، إذ تنشط الحركة الثقافية في مسقط في المسارح والأندية الأدبية وقاعات المحاضرات وصالات الفنون الجميلة وقاعات السينما، بالإضافة إلى الورش التدريبية واستضافة رموز الثقافة العربية، بينما تتجمد الحياة الثقافية في مدينة صلالة ولا يتحرك فيها ساكنا أو ما يمكن أن يُعيد الحياة إلى مدينة أصبحت تفقد روحها بالتقسيط، ولكي لا يُفهم على أننا نرى فقط الفراغ في كاس الماء المملوء إلى النصف، نتساءل أين الأثر الإيجابي الذي يتركه مهرجان صلالة على سكان المدينة حينما ينقشع الضباب وينتهي الخريف فلكيا وتُطوى الخيام، ويرجع الناس إلى مناطقهم؟!!.
الإجابة نتمنى أن نسمعها من كاتب أو مطرب أو فنان تشكيلي أو كاتب مسرحي أو ممثلا، قال انه استفاد من الورش والندوات التدريبية والمحاضرات، مثلما يستفيد البعض من الفعاليات الرياضية الأخرى، كنا نتمنى أن نجد من يهتم بالعقول عوضا عن الاهتمام (بالرجول)!!!.
وهنا نطرح سؤالا طالما أرهقتنا الإجابة عنه وهي، هل إدارة مهرجان صلالة السياحي تهمش الفعاليات الثقافية فعلا؟، أم أن الناس اجتهدوا والاجتهاد بلغ عندهم مداه ولا يقدرون على الإتيان بالجديد ، إذا كانت الإجابة بنعم في السؤال الثاني فإننا نعذرهم ولا بوسعنا أن نحملهم ما لا يحتملون.
أما إن كانت الثقافة لا تعني لهم إلا قراءة الجريدة أو تنظيم القوافي، فنحن نقول أنهم جانبهم الصواب، لأن الثقافة التي ننشدها للجماهير هي الثقافة التي تُصب في وعاء الهوية وتكوين الشخصية، لأن الهوية مهددة بسبب توافد العديد من الأنماط الثقافية من دول الجوار وأصبحت هذه السلوكيات تفرض نفسها على بقية الأنماط العمانية المتأصلة ولا أقول "الدشداشة العُمانية نموذجا".
فهذا عنصر مادي يمكن إصلاحه والتدخل في بقائه ولكن ما نخشاه هو خلل في القيم والسلوكيات والأفكار وكل ما هو معنوي، لأن الأفكار الدخيلة لا تجد مكانها إلا النفوس الخاوية، والريح لا تحرك إلا الأشياء الفارغة، إذن نحن أمام واقع يفرض علينا أن ننتبه إلى ذواتنا ونبنيها و نترصد ما يدور حول ذواتنا وهنا يأتي دور المثقف.
يخطي من يظن أن الحفاظ على التراث يتم عبر توظيف البيوت التراثية وإقامة فعاليات للفنون التقليدية والألعاب الشعبية في ميادين المهرجانات، لأنه في هذه الحالة يتحول التراث إلى فُرجة والفرجة استمتاع لحظي يتلاشى الشعور به فور انتهاء الحدث ، إذن التراث يُستغل من قبل السياحة استغلالا سلبي وعلى القائمين على المهرجانات الانتباه لهذه الظاهرة، أما فيما يتعلق بالحفاظ على الهوية فإنه يتم بواسطة تأصيلها وإبقائها في النفوس عن طريق تكوين رأيا جماعيا يتفق على ضرورة التطلع للتحديث مع الاحتفاظ بالمنجزات الوطنية واكتساب الخبرات في إحياء ما يُنتقى من القديم.
إذن فليسمح لنا من خطّط وبرّمج المهرجانات أن نقول له: انه تجاهل وهمش شريحة من المجتمع لها وزنها وثقلها وكلمتها وأن هذا التجاهل لا يخدم بأي حال من الأحوال المصلحة العامة.
بعد هذه الإطلالة السريعة، نود أن نستعرض الجهود التي بذلتها الجمعية العُمانية للكتاب والأدباء في أحياء ملتقى سمهرم الثقافي، وهذه الجهود هي استمرار لجهود سابقة بدأت منذ سنتين، ففي العام الماضي قدمت الجمعية مقترح مماثل إلى إدارة المهرجان ولم يتم النظر في طلبها بدليل عدم وجود رد من إدارة المهرجان تفيد بقبول إقامة الملتقى أو الاعتذار عنه، وها هي الجمعية تعيد صياغة الطلب وإعداد برنامج شامل لملتقى سمهرم الثقافي، وقد خاطبت الجمعية مكتب معالي وزير الدولة ومحافظ ظفار بتاريخ 3مارس 2009، برسالة لتحديد موعد لمقابلة معالي الشيخ محمد بن مرهون المعمري وزير الدولة ومحافظ ظفار بصفته مشرف عام اللجنة الرئيسية لمهرجان صلالة السياحي، وبعد تدخلات شخصية تم تحديد موعدين لم يكتب لهما التمام، ولا نريد الخوض في تفاصيل تحديد الموعدين، ولا كيف تتم توجيه الدعوات، وفي يوم السبت 9 مايو من هذا العام تمكن كاتب هذه السطور مع الأستاذ الكاتب عبد الله بن علي العليان من مقابلة معالي الشيخ، وقد شرحنا له مطالب الجمعية من البلدية وكذلك توضيح الأهداف والنتائج المرجوة من الملتقى، وأيضا التكاليف المادية التي تحتاجها الجمعية لإنجاح مثل هكذا فعالية.
وخرجنا من مكتب معاليه على وعد بعمل لجنة مشتركة بين الجمعية وبلدية ظفار تدير هذه الفعاليات، ولكن اللجنة لم ترَ النور ، ولا نخفي على أحد أن الجمعية كانت تتابع هذا الموضوع بجهود شخصية لتذكير القائمين على إدارة المهرجان بالملتقى، وبتاريخ 14 يوليو أي قبل انطلاق فعاليات مهرجان صلالة السياحي بيوم واحد بلغّنا الأستاذ عبد الله العليان أنه تلقى اتصالا من مدير مكتب المحافظ يفيده بالاعتذار عن إقامة الملتقى الثقافي، وإلى حد كتابة هذا المقال لم يرد إلى الجمعية رسالة اعتذار من مكتب معالي الشيخ وزير الدولة ومحافظ ظفار بناءا على الرسالة الموجهة له من الجمعية العمانية للكتاب والأدباء، وهنا ننشر الرسالة الموجهة لمعاليه متضمنة الأهداف العامة للملتقى والبرامج وأسماء الضيوف ، الذين وافق معظمهم على المشاركة، وحين داهمنا الوقت عملنا خطة بديلة للملتقى في حالة قبول البلدية بالفعالية ، حيث قلصنا عدد الضيوف واجلنا بعض الندوات، ولكن كل هذه الجهود ذهبت أدراج اللامُبالاة.
وهنا نود أن نشكر كل من نوى على بعث فكرة هذا الملتقى وكل من ساهم وساعد على إنجاح موعد المقابلة مع معالي الشيخ، ونعتذر لسمهرم - للمرة الثانية على التوالي- مكانا وجوديا وحيزا جغرافيا عن زج اسمه في هذه الخيبات.
بسم الله الرحمن الرحيم
معالي الشيخ / محمد بن مرهون المعمري الموقر
وزير الدولة ومحافظ ظفار
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته… وبعد
الموضوع : تقديم مقترح لتفعيل ملتقى سمهرم الثقافي.
يسرنا يا معالي الوزير أن نقدم بين أيديكم مقترحا لتنشيط ملتقى ثقافي يصاحب البرنامج العام لمهرجان صلالة، يحمل اسم (سمهرم) المرفأ التاريخي ومدينة الحضارة العريقة، لأننا نرى يا معالي الوزير أن مدينة صلالة التي شهدت ميلاد النهضة العمانية الحديثة، بقيادة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه- تستحق منا جميعا بلا استثناء أن نضعها على الخارطة السياحية العالمية والإقليمية، إذ تمتلك محافظة ظفار كل المقومات التاريخية والطبيعية التي تؤهلها أن تكون قبلة للسياح والزوار من مختلف أنحاء العالم .
معالي الوزير الموقر إننا نضع نصب أعيننا على الثقافة باعتبارها رافدا رئيسيا للسياحة، فيما يُعرف (بالسياحة الثقافية) التي يكون هدفها الأساسي الثقافة وزيارة المعالم التاريخية، والمواقع الأثرية والمتاحف والتعرف على الصناعات التقليدية والحضور في بعض الفعاليات الثقافية مثل المعارض أو المهرجانات، و تظل السياحة الثقافية هي المقوم السياحي غير المتكرر أو المتشابه أو القابل للمنافسة.
إن المحتوى الثقافي المميز الموجه للسياح لا يمكن أن تكون الغاية منه إلا غاية إنمائية للقطاع السياحي وتحقيقاً للتنمية الشامل
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ